وحدة التحقيقات في شبكة الجزيرة تقدم

العبودية الحديثة

في بريطانيا

وحدة التحقيقات في شبكة الجزيرة تقوم بعملية سرية للكشف عن مدى تغلغل العبودية الحديثة في ضواحي بريطانيا. نكشف عصابات تهريب البشر والاتجار بهم ونتحدث مع الضحايا حول ما عانوه من محن.

 

4

 

المملكة المتحدة:

التهريب والعبودية

مصيدة العبودية الحديثة

1

كشفت وحدة التحقيقات في شبكة الجزيرة عن أن الشركات الكبرى في بريطانيا قد تكون مقصرة في بذل ما هو مطلوب لمكافحة العبودية في سلسلة الإمداد التي تعتمد عليها.

 

ورداً على ما كشفت عنه الجزيرة حذر مفوض مكافحة العبودية في بريطانيا من أن الشركات في كل أنحاء بريطانيا قد تكون دون إدراك منها متورطة في استخدام ضحايا العبودية الحديثة.

 

إلا أن هايلاند قال إن القوانين الجديدة تعني أن الجهل لم يعد مبرراً مقبولاً.

 

لقد كشف التصوير السري الذي قام به فريق الجزيرة عن أوضاع صادمة في إحدى مغاسل السيارات في منطقة كينت، جنوب شرقي إنجلترا، والتي تستفيد من خدماتها وكالات تبيع سيارات من ماركات كبرى مثل فولفو وكيا.

 

يقول العمال الذين يعيشون في أوضاع غاية في السوء في مغسلة السيارات الواقعة في مدينة كانتربري إنهم يتقاضون 35 جنيهاً مقابل العمل 12 ساعة في اليوم، ويتعرضون للإساءات اللفظية والبدنية، وتمنع عنهم أجورهم بحجة التسبب ببعض الأضرار الطفيفة.

 

تقول باروشا تشاندران، إحدى المحاميات الرائدات في مجال حقوق الإنسان، إن الدليل الذي كشفت عنه الجزيرة "يفيد كما يبدو بوجود عبودية حديثة. تساورني مخاوف كبيرة من أن هؤلاء العمال هم ضحايا عمليات تهريب البشر".

 

وأضافت المحامية: "من الأهمية بمكان أن تقوم شركة فولفو بإجراء تحقيق في كل مكونات سلسلة الإمداد التي تعتمد عليها من حيث نوع العمالة المستخدمة فيها. فمن ذا الذي ينظف سياراتها؟"

 

وطبقاً لقانون جديد سن هذا الشهر فقد بات مطلوباً من المؤسسات الكبيرة أن تعلن عن النشاطات التي تمارسها من أجل ضمان عدم وجود عبودية في عملياتها وفي سلسلة الإمداد التابعة لها.

 

إلا أن البحث الذي قمنا به يثبت أن 85 ٪ من الشركات المائة المدرجة في بورصة الفايننشال تايمز وغيرها من الشركات الرائدة مقصرة في الالتزام بقانون العبودية الحديثة ونصفها تقريباً لا تذكر موضوع العبودية في مواقعها الإلكترونية.

 

من بين عشرين شركة كبيرة شملها المسح فقط اثنتان أقرتا بوجود قانون العبودية الحديثة.

 

يقول هايلاند: " شهد العام الماضي زيادة كبيرة في عدد البشر الذين يجبرون على العمل، وقد وجدنا أن نسبة ضخمة من هؤلاء يخدمون في سلاسل إمداد شرعية".

 

" الاقتصاد المشروع والاقتصاد غير المشروع يصبحان بطريقة أو بأخرى شيئاً واحداً لأن الشركات وكذلك الناس لا يدركون في الواقع أنهم يستخدمون ضحايا العبودية الحديثة ضمن سلاسل الإمداد التي يعتمدون عليها".

 

" أنا متأكد تماماً من أنه لا توجد رغبة لدى أي مدير تنفيذي أو إداري، أو شركة بريطانية تلتزم المعايير الأخلاقية، في دفع المال للمجرمين الذين يحتجزون البشر ضمن العبودية الحديثة، إلا أن هذا {التحقيق} يسلط الضوء على الطريقة التي قد تتورط من خلالها الشركات في المملكة المتحدة من حيث لا تدري في تمويل نشاطات إجرامية" كما قال.

 

إلا أن هايلاند قال إن القوانين الجديدة تعني أن ادعاء الجهل لم يعد خياراً.

 

"لدينا الآن قانون جديد خاص بالعبودية الحديثة ولدينا نظم تقول إننا نريد الشفافية في سلاسل الإمداد. ولذلك لم يعد بإمكان الناس القول إنهم لا يعرفون".

 

وأضاف هايلاند: "الشركات التي تخفق في رؤية ما هو واضح ستلحق بسمعتها أضرار جسيمة تستمر تداعياتها لزمن طويل".

 

ابتداء من الحادي والثلاثين من مارس 2016، كل الشركات التي تتجاوز قيمة مبيعاتها الكلية 36 مليون جنيه استرليني ملزمة بنشر بيانا حول العبودية قبل نهاية السنة المالية.

 

"إنه ضروري جداً أن تقوم فولفو بالتحقيق في كل مراحل الخدمات التي تحصل عليها من حيث العمالة المستخدمة في ذلك."

تأمل الحكومة في أن تبذل الشركات جهداً أكبير وأن توجد "سباقاً نحو القمة" تشجيعاً للشفافية والتنافس على رفع مستوى المعايير.

 

سبورتس دايريكت، التي خرجت من قائمة الشركات المائة المدرجة في بورصة الفايننشال تايمز في مارس 2016 إثر تراجع أدائها التجاري ومزاعم بتردي أوضاع العمالة فيها، هي واحدة من المؤسسات التي لا تشير في موقعها الإلكتروني إلى قضية العبودية.

 

رفض المتحدث باسم الشركة التعليق إلا أن مصدراً فيها قال إنه من المحتمل أن تنشر الشركة بياناً حول العبودية في تقريرها السنوي أواخر العام.

 

وقال متحدث مؤسسة باركليز بانك، التي لا توجد إشارة واضحة في موقعها الإلكتروني إلى قضية العبودية، إنها ستصدر بياناً عن ذلك قبل نهاية العام المالي الذي ينتهي في الحادي والثلاثين من سبتمبر 2016.

 

وقالت المؤسسة بأنها أشارت في الصفحة الرابعة عشر من تقريرها السنوي السابق إلى القانون.

 

تبين الإجراءات التي تتخذها لضمان عدم وجود عمالة مستعبدة ضمن عملياتها أو سلاسل الإمداد التي تعتمد عليها.

 

إلا أن كثيراً من الشركات البريطانية الكبرى مازالت لا تبدي استعداداً لتبني القوانين الخاصة بمناهضة العبودية الحديثة.

 

 

تركزت تحريات قسم التحقيقات في شبكة الجزيرة على مغسلة سيارات الولايات المتحدة الأمريكية الواقعة في مدينة كانتربري.

 

جرى تصوير العمال وهم ينظفون السيارات لمعارض ليبسكومب لسيارات الفولفو في كانتربري وفي ماديستون وكذلك في كراج هاربر لسيارات كيا في وايتستابل.

 

في حديث مع مراسل متخف يتظاهر بأنه زبون محتمل لديه أسطول من السيارات التي تحتاج إلى غسيل، قال مالك المغاسل أفيون إليزي، الذين ينحدر من أصل ألباني ويبلغ من العمر 35 عاماً، إن عماله يعملون في دوريات من ست ساعات. وحين سئل أين يعيشون قال إنهم يعيشون "محلياً".

 

عرض إليزي، الذي يحمل الجنسية البريطانية، تخفيض أسعاره المنخفضة أصلاً طمعاً في كسب الزبون الجديد.

 

إلا أن الجزيرة وجدت من بين عماله من يدعون أنهم يتقاضون أقل من نصف الحد الأدنى القانوني من الأجور، وأنهم يعملون بدون استراحات، وأنهم يتكبدون ما لا يقل عن أجرة يوم كامل مقابل السكن في أوضاع رثة ومأساوية داخل حاويات بالية موجودة في الموقع.

 

معظم العمال ينحدرون من رومانيا وبينما لا يعرف بعضهم من الإنجليزية إلا القليل تجد من بينهم من لا يجيد منها شيئاً على الإطلاق. واحد منهم على الأقل ادعى بأن صاحب مغسلة السيارات أخذ منه وثائق سفره، بينما تحدث آخرون عن حرمان من الأجر كغرامة على التسبب بأضرار طفيفة.

 

يقول العمال الذين تسببوا عن غير قصد ببعض الأضرار للسيارات بأن رب العمل خصم من رواتبهم مئات الجنيهات، مما أفقدهم دخلهم لأسابيع. وهناك عامل أجبر على دفع مبلغ ضخم من المال بسبب إتلافه عجلات آلة التنظيف.

 

وسمعنا بأن عاملاً آخر ممن يغسلون السيارات سحبه رب العمل إلى داخل المكتب وانهال عليه لكماً، بينما قال مدير الموقع إن عاملاً آخر تعرض لوابل أشد من الضرب.

 

وتحدث آخرون عن تعرضهم للشتم واشتكوا من تفشي الحشرات والقوارض في أسرتهم وأماكن إقامتهم.

 

عاد المراسل إلى مقر مغسلة السيارات ليواجه إليزي، مالك المغسلة، بمزاعم تفيد أنه متورط في ممارسة العبودية الحديثة، وكان إليزي قد عاد لتوه من رحلة تزلج. نفى إليزي كافة المزاعم وأضاف: "أنا لا أخضع أحداً للعبودية الحديثة".

 

رفض إليزي، الذي يقود سيارة رانج روفر يقول إنه يدفع مقابل استخدامها 700 جنيه استرليني في الشهر، السماح لمصورينا بدخول الأماكن التي يقيم فيها عمال مغسلة السيارات.

 

وأضاف: " أنا فقط أسعى لتوفير الطعام لعائلتي والعناية بها".

 

قال متحدث باسم شركة سيارات فولفو إن معايير السلوك لديها تنص على أن موظفيها ومن يقدمون الخدمات لها يجب أن يلتزموا بالقانون.

 

أما معرض ليبسكومب للسيارات فقال إنه يلتزم بمعايير السلوك لدى شركة فولفو. وكان أحد المدراء فيها قد قال لمراسل متخف حين تحدث إليه مسبقاً: " لو كانت هناك أي مشكلة {تتعلق بمغلسة السيارات} لما كنا قد استخدمناها".

 

أما شركة كيا في المملكة المتحدة فقالت إنها تتوقع من كافة وكلائها الانصياع للقانون، وقال معرض هاربر كراج لسيارات كيا إنه "مصدوم وقلق" بسبب مزاعمنا وأنه قد بدأ بإجراء تحقيق.

"تساورني مخاوف عميقة من أن هؤلاء العمال هم ضحايا لعمليات تهريب البشر."

يقول السيد هايلاند، الذي استلم مهام عمله في المنصب الذي أوجد مؤخراً في شهر أغسطس 2015 كمفوض لمكافحة العبودية، إنه تم التعرف على مغاسل السيارات كواحدة من الأماكن التي يجري فيها استغلال كثير من العمال.

 

"فيما يتعلق بمغاسل السيارات نحن نعرف الفرق بين مغسلة السيارات الجيدة ومغسلة السيارات الرديئة. حينما تتأمل في أرجاء البلاد فإنك تجد أن الكثيرين جداً من هذه المغاسل تقع ضمن الصنف عالي الخطورة".

 

"وإلى جانب مغاسل السيارات، فإن الناس الذين يعملون في الزراعة وفي صيد الأسماك وحتى في صناعة الأسرة يوجدون في حالة من العبودية الحديثة وما ينتجونه من سلع يباع في كبرى المحلات التجارية".

 

هناك الآلاف من الشرق أوروبيين الذين يعملون في مغاسل السيارات في كافة أرجاء بريطانيا. كثير من هؤلاء العمال ينحدرون من الأماكن الفقيرة في رومانيا، وقد جاءوا بعد أن أغرتهم الإعلانات المنشورة في المواقع الإلكترونية والتي تعدهم برواتب مجزية وأوضاع معيشية جيدة.

 

إلا أن الوعود في كثير من الأحيان لا تتوافق مع الواقع وينتهي المطاف بالعمال أن يتعرضوا للاستغلال، كثير منهم داخل ما يقرب من عشرين ألف مغسلة سيارات غير قانونية في مختلف أنحاء بريطانيا.

 

 

تقول تشاندران، التي مثلت العديد من ضحايا العبودية الحديثة داخل المحاكم، إن الاستغلال المزعوم في مغسلة سيارات الولايات المتحدة الأمريكية اليدوية في كانتربري لهو "شيء يحتاج إلى المعالجة الفورية بحزم من خلال تطبيق سريع وفعال للقانون".

 

ويقول هايلاند إن رسالته إلى الجمهور هي أن يكونوا متنبهين: "إذا رأيت أن شخصاً ما يتعرض للاستغلال، وإذا شعرت أن ثمة خطراً محدقاً، فعليك أن تبلغ أحداً، بلغ السلطات".

 

وأما ستيف تشولك، المستشار الخاص في الأمم المتحدة لشؤون تهريب البشر، فقد حث المستثمرين على التفكير الجاد في أين يضعون أموالهم. وقال: "عليك أن تتأكد من المخاطر التي تجازف بها الشركات في هذا المجال وما هي التقارير التي ترفعها".

 

 العبودية والمخدرات

2

في جزء آخر من التحريات السرية اكتشفت الجزيرة وجود مزرعة للقنب وتمكنت من الوصول إليها، تقع داخل بيت في أحد أحياء شرق لندن.

 

يُظهر التصوير الحصري أن النباتات التي تقدر قيمتها في الشارع بما يزيد عن مائة ألف جنيه استرليني يقوم على العناية بها ورعايتها من يُشك بأنه ضحية للعبودية الحديثة.

 

يقول الشاب الفيتنامي "الجنائني" إنه نادراً ما يغادر البيت، فهو لا يتكلم الإنجليزية ويعيش في حالة من الرعب تحسباً من أن يتعرض لمداهمة من قبل الشرطة أو من قبل اللصوص الذين يمارسون العنف.

 

وهذا الجنائني هو واحد من آلاف من الفيتناميين، بما في ذلك الأطفال، الذين يعملون في مزارع القنب داخل المملكة المتحدة. كثيرون منهم يجري تهريبهم إلى المملكة المتحدة حيث يجري استغلالهم.

 

هناك من يدفعون مقابل تهريبهم أملاً في أن يتمكنوا من إيجاد وسيلة لكسب الرزق في الغرب، ولكنهم عادة ما يقعون فريسة في أيدي المتاجرين بالبشر وينتهي بهم الأمر ضحايا للعبودية الحديثة.

 

يخبر الجنائني صحفية متخفية كيف يزرع نباتات القنب ويتعهدها بالرعاية، حتى إنه يشير إلى النباتات الصغيرة بعبارة "الأطفال" وإلى النباتات الأكبر منها بقليل بعبارة "المراهقين".

 

ويشرح لها كيف أن الكهرباء التي كان من الممكن أن تكلف ما يقرب من ثمانية آلاف جنيه استرليني تتم سرقتها وذلك من خلال تجاوز عداد الكهرباء.

 

ولكنه يتحدث أيضاً عن شعوره بالوحدة وبالاكتئاب، وكيف أنه لا يغادر بتاتاً ذلك البيت الذي يبدو في الظاهر منزلاً عادياً وإن كان في حقيقة الأمر قد تم تحويله إلى مزرعة للقنب.

 

يقول: "لقد مرت علي أوقات عانيت فيها من الاكتئاب، ولزمن طويل لم يكن بيني وبين العالم الخارجي أي تواصل".

 

ولكنه يواظب أملاً في أن يتقاضى أجراً على عمله حينما يحين حصاد المخدرات، ويحلم بالعودة إلى فيتنام ليتزوج ويبني بيتاً لعائلته.

 

"إن البقاء داخل البيت طوال الوقت أشبه ما يكون بالحياة داخل السجن، على أن أتخيل أنني لا لست في السجن لبضع سنوات. بعد أن أعمل لعدد من السنين سوف يكون لدي مال وسأنتقل حينها إلى العمل في وظيفة أخرى".

 

في مقطع نادر، يظهر الفيلم رجلاً بملامح غربية يوصل الطعام وغير ذلك من المواد التموينية إلى البيت قبيل منتصف الليل بقليل ويظهر أيضاً أول "حصاد" لمحصول القنب وهو ينقل خارج البيت.

 

كانت عصابات المخدرات تستورد القنب إلى المملكة المتحدة أما الآن فقد بات هذا المخدر يستنبت بشكل عام في بيوت أو مخازن داخل بريطانيا. كثير من هذه العصابات فيتنامية، وفي بعض الأوقات تجدها تعمل بالتنسيق مع مجرمين بريطانيين.

 

يظهر في وثائقي الجزيرة شاب فيتنامي مستعبد آخر، حيث يصف المحنة المريعة التي تعرض لها على أيدي مهربي البشر الذين أجبروه على العمل في مزارع ومخازن القنب.

 

توفي والد توان حينما كان في الخامسة من عمره وعندما مرضت والدته اضطرت لاقتراض نقود من دائنين لا يعرفون الرحمة ولا الشفقة. ما لبثت أن توفيت وتوان في العاشرة من عمره، فنقل إلى دار أيتام تابعة لدير في إقليم نغه آن الذي ينحدر منه في وسط فيتنام.

 

جاء الدائنون إلى دار الأيتام وطالبوا الكنيسة بالتنازل لهم عن بيت عائلة توان لسداد الديون، وحينما رفضت الكنيسة الانصياع لهم قطع أفراد العصابة أحد أصابع توان وأرسلوه إلى الدير كإنذار أخير.

 "وضعوا يدي على لوح من الخشب، أحضروا سكيناً، وأمسكوا بيدي وقطعوا."

يقول توان عن ذلك: "وضعوا يدي على لوح، وتناولوا سكيناً وأمسكوا بيدي وقطعوا. لقد قطعوا جزءاً من إصبعي ولفوه في قطعة ورق وقالوا إنهم سيقتلونني إذا لم أوقع لهم على ورقة القرض".

 

في سبيل إنقاذ حياة توان، وقعت الكنيسة على الأوراق. إلا أن الدائنين لم يكتفوا وطمعوا في المزيد، فسخروا توان للعمل لديهم كعبد في أحد المخازن، وبعد سنوات قليلة حينما بلغ الخامسة عشرة من عمره نقل  في شاحنة مسافة ستة آلاف ميل إلى مزرعة قنب داخل المملكة المتحدة.

 

قال إنه لم يكن يعرف ما هو البلد الذي كان فيه عندما أحضر إلى بريطانيا، وعندما عمل في استنبات القنب ظن في البداية أنه كان يزرع الخضروات.

 

ويصف كيف كان يتعرض للضرب ويقيد ويعلق من السقف في أحد المخازن، ولا يعطى سوى الخبز والبطاطس والماء ليعيش عليها، وكيف كان ينام على بطانية يفرشها على أرض المخزن.

 

"عملت في النهار والليل، وكان يسمح لي بالنوم ساعتين أو ثلاث ساعات، ولا يوجد سوى بطانية واحدة، والجو في غاية البرودة".

 

"عملت كثيراً، وكنت أعاني من البرد والجوع وأتعرض للضرب. كنت في غاية التعاسة. لو أنني مت لكنت استرحت من تلك المعاناة".

 

كما تسلط التحقيقات الضوء على مهربي البشر الذين يأتون بالناس إلى المملكة المتحدة، وتكشف عن التكاليف وخطوط التهريب والأساليب المتبعة.

 

تمكنت الجزيرة من التوصل إلى مهربين اثنين في مدينة فينه، في إقليم نغه آن، وقد تفاخرا أمام باحثين فيتناميين يعملان بشكل سري بأنهما يمكن أن يهربانهما إلى المملكة المتحدة مقابل 32 ألف دولار وإلى دول أوروبا الأخرى مقابل 17 ألف دولار.

 

ويجري أثناء اللقاء مناقشة خطوط المرور عبر روسيا وبولندا وفرنسا وصولاً إلى إنجلترا.

تتفاخر إحدى المهربات قائلة: "أنا في هذا العمل منذ 15 إلى 20 عاماً، وأنا أعرف جميع الأوقات الجيدة والسيئة للذهاب على مدى العام".

 

وتخبرهما هذه المهربة أن النساء بإمكانهن العمل في محلات تجميل الأظافر والعناية بها، وفي نهاية المطاف بإمكان الرجال العمل في مزارع القنب.

 

"البقاء داخل البيت طول الوقت يشبه أن يكون المرء داخل السجن."

أما المهربة الثانية فتقول: "إذا قررتما الذهاب إلى المملكة المتحدة فسوف أرتب كل شيء. ونوع الخدمة يتوقف على الثمن الذي تدفعونه".

 

"حتى تذهبا إلى المملكة المتحدة لا بد أن تمرا بألمانيا. إلا أن أصعب المراحل هي الطريق ما بين روسيا وألمانيا. أما السفر من ألمانيا إلى فرنسا أو إلى المملكة المتحدة فيسير جداً، تماماً كما لو أنكما ذاهبان للتسوق".

 

من فرنسا إلى إنكلترا يكون السفر عبر شاحنة تحمل حاوية، وعادة تدفع للسائق أتعابه بعد الوصول.

 

وتقول إنها هربت مؤخراً امرأة فيتنامية إلى إنجلترا في مدة إجمالية قدرها ثلاثون يوماً بما في ذلك عشرة أيام استغرقها إعداد الأوراق.

 

تزعم المهربة أنه سيكون سهلاً العمل داخل المملكة المتحدة وتتجاهل ما عبرت عنه الصحفية المتخفية من قلق إزاء احتمال أن تجبر على الانخراط في العبودية الحديثة.

 

ردت عليها قائلة: "يا إلهي، إذا ذهبت فأنت ستذهبين مع زوجك وضمن مجموعة من الناس، لن تكوني وحدك".

 

"نذهب إلى روسيا في مجموعات من خمسة أشخاص ونتظاهر بأننا طلاب، ثم من هناك يسهل عليهم السفر إلى بلدان أخرى في أوروبا".

 

كثير من النساء الفيتناميات اللواتي يتمكن من الوصول بأمان إلى المملكة المتحدة ينتهي بهن الأمر للعمل في محلات تجميل الأظافر والعناية بهن. تمكنت باحثة تعمل معنا بشكل سري من الحصول على عمل في أحد هذه المحلات القريبة من لندن.

 

لم نجد دليلاً على أي عبودية في ذلك المحل لتجميل الأظافر والعناية بها ولكننا قابلنا امرأة فيتنامية أحضرت منذ وقت قريب إلى بريطانيا بشكل غير قانوني: والمرأة هي شقيقة صاحب المحل.

 

يقوم صاحب المحل باطلاع الباحثة المتنكرة على الطرق التي استخدمها المهربون الفيتناميون ويقول إن شقيقته طارت مباشرة من تايوان إلى إيران بدون تأشيرة، ثم إلى تركيا ومن هناك إلى اليونان.

 

ويقول إن شقيقته موجودة الآن في باريس تنتظر إحضارها إلى إنجلترا. وبعد أسابيع قليلة تصل شقيقته حسب ما هو متفق عليه وتبدأ العمل في محل تجميل الأظافر والعناية بها.

 

أما هي فتصف الطريقة التي جرى بها تهريبها إلى المملكة المتحدة على ظهر شاحنة تنقل الفحم. وتقول: "لقد كان ذلك مرعباً. تم إخفائي في كابينة السائق وقاموا بتغطيتي بالبنزين حتى لا تتمكن الكلاب من شمي".

 

"في حالة البعض استغرق الأمر 26 ساعة، بلا أكل ولا شرب على الإطلاق".

 

ولما سئلت ماذا كانت ستفعل لو احتاجت إلى الذهاب إلى المرحاض لقضاء الحاجة، قالت المرأة: "إذا كنت تظن أنك قد تحتاج إلى الذهاب إلى المرحاض فلابد أن تلبس حفاظة كتلك التي يلبسها الأطفال".

ضحايا العبودية والدعارة في بريطانيا

3

في جزء آخر من التحقيق، تكشف الجزيرة كيف أن الآلاف من الفتيات يجبرن على الانخراط في العبودية الجنسية في بريطانيا.

 

يكشف مروج المومسات الروماني في حديث مع باحث متنكر، الأساليب التي يستخدمها للسيطرة على الفتيات ولاستغلالهن بعد الإتيان بهن إلى لندن من رومانيا.

 

يشرح هذا المروج، وهو في العشرينات من عمره، بكل هدوء أنه لا يحتاج إلى استخدام العنف البدني لأن لديه أساليب للسيطرة على عقول الفتيات.

 

يقول: "الآن هناك طرق جديدة للإبقاء على البنت تحت السيطرة".

 

"تحتاج لأن تعرف الكثير عن المرأة من مصادر في بلادها. تحتاج لأن تعرف الشيء الوحيد الذي له قيمة عليا لديها".

 

"كل ما هنالك أنك تقول لها: إذا لم تفعلي ما آمرك فستهلكين".

 

"لماذا احتاج إلى صفعهن إذا كان يكفيني أن أستخدم الكلام لتدميرهن ذهنياً؟".

 

يقول فيل برووار، رئيس وحدة مكافحة تهريب البشر في شرطة لندن، إن مثل هذه التهديدات تستخدم من قبل كثير ممن يستغلون النساء من أجل الإبقاء عليهن ضمن العبودية الحديثة.

 

ويقول: "بالإضافة إلى التهديد بممارسة العنف نرى أيضاً تهديدات غير مباشرة بمعنى إذا لم تفعلي ما آمرك، فإن عائلتك في بلادك سوف تستهدف".

 

يقول روبرت إنه يسيطر على أربع نساء رومانيات في إلفورد، شرقي لندن. وبينما يجلس في سيارة يقول إنها أعطيت له من قبل زبون مقابل قضاء ليلة كاملة مع واحدة من الفتيات، يقول إن الفتيات يعملن طوال الليل، كل ليلة.

 

ويقول: "لدي أربع نساء، أبعث بهن جميعاً إلى الشارع، بينما أبقى أنا في البيت. فلدي شخص أدفع له مقابل أن يراقبهن لي".

 

ثلاث من النساء عملن طوال السنة والنصف الماضيتين دون انقطاع ولا ليوم واحد، كما يقول. ويؤكد إنه يفرض عليهن العمل بلا توقف كل يوم.

 

"ينبغي أن يصبح هذا العمل بالنسبة لهن أمراً اعتيادياً ومنتظماً، بحيث تصحو الواحدة منهم لتقول: يجب أن أذهب إلى العمل".

 

يتحدث مروج المومسات عن الطريقة التي يؤثر فيها انعدام النوم في الليل على مظهر النساء، فيقول: "هل تعلم ماذا يعنيه عدم النوم ليلاً على مدى شهر كامل؟".

 

"تتغير ملامح الوجه، وتظهر حول أعينهن دوائر داكنة. يصبح مظهرن بسبب التعب مريعاً".

 

تتمكن بعض الفتيات المستعبدات جنسياً من الهرب من محنهن المروعة. ومن هؤلاء أنـّا التي خلصتها الشرطة في شمال إنجلترا من براثن العصابة التي هربتها، وتشرح أنـّا كيف أجبرت على البغاء وهي في السادسة عشرة من عمرها.

 

تنحدر أنـّا من عائلة فقيرة في غرب رومانيا، وكانت قد غمرتها الفرحة حينما قابلت شاباً أصبح فيما بعد صديقها، والذي أخبرها بأنه سيصحبها في رحلة استجمام إلى إيطاليا.

 

كانت تلك أول رحلة للفتاة المراهقة خارج بلادها. ولكن حينما وصلت إلى إيطاليا أخبرها صديقها بأن عليها أن تبيع جسدها وتعطيه المال الذي تجنيه.

 

تقول أنـّا إنها حاولت الرفض ولكنه "اشتاط غضباً وضربني". حُبست أنـّا داخل غرفة وأجبرت على أن تصبح عاهرة، تقدم للزبائن ما يطلبونه من خدمات، بغض النظر عن مدى حقارة ما يطلبونه منها. تقول أنـّا: "بعض الزبائن كان يدفع لي المال حتى يضربني".

 

كانت أنـّا ضحية وقعت في "شباك مروج للفاحشة تظاهر بأنه فتاها المتيم"، وهو أسلوب يستخدمه كثير من الذين يستغلون الفتيات، يبدأ بالإغراء ثم ينتهي بالضرب والاغتصاب والسيطرة التامة عبر التهديد والعنف.

 

بالنسبة لأنـّا كانت "العطلة" التي قضتها في إيطاليا بداية أحد عشر عاماً قضتها في العبودية الجنسية. تم تهريبها إلى النمسا ومن هناك إلى إسبانيا وأخيراً إلى بريطانيا حيث كانت تحبس في شقق رثة وفنادق رخيصة، وتجبر على العمل كل يوم دون أن تتقاضى أي مال.

 

كانت واقعة تحت سيطرة رجلين وامرأة كانت تطلق عليها اسم "السيدة الشريرة"، وتقول: "لم أتقاضى أي مال لأن السيدة الشريرة كانت تحتفظ بكل النقود. لقد تعاملوا معي كما لو كنت أمة عندهم، أجني لهم المال، وأجلب لهم السعادة".

 

أما أنـّا فلم تعرف السعادة أبداً، فقد كانت تجبر على تعاطي المسكرات والمخدرات مع الزبائن قبل أن تخضع لطلباتهم وتوفر لهم رغباتهم ونزواتهم الجنسية.

 

أنقذت الشرطة أنـّا من فندق يقع في غرب لندن. كان ذلك في مارس 2014. عادت إلى رومانيا إلا أن العصابة التي كانت مسيطرة عليها تعقبت آثارها وأمسكت بها وألقت بها في سيارة. اعتدوا عليها وقالوا لها إنهم سيعيدونها إلى إنجلترا.

 

بدأت محنتها من جديد، ولكن هذه المرة في فندق في مدينة ليدز التي تقع إلى الشمال من إنجلترا.

 

تقول أنـّا: "لقد جاءوا بثلاثين رجلاً لأنام معهم. ربطوني في سرير وأدخلوا علي الرجال ليقوموا بمهمتهم. وكانت السيدة التي تتحكم بي في غاية الانشراح".

 

"كانت تقول لي هذا هو الأسلوب الذي أحبه. وأنا كنت أقول لها، لا، لم أحب ذلك على الإطلاق. وددت أن أكسر الباب وأهرب من ذلك المكان".

 

"كنت مرعوبة جداً. فقد أطفأوا النور وقالوا لي بأن أقوم بما يطلبه الزبائن مني لأنني إذا لم أفعل فلن أستحق الطعام".

 

"أعطوني ماء بارداً، وعذبوني، وأوسعوني ضرباً بالحزام وقالوا إنني كنت أمة عندهم".

 

"كنت مستلقية هناك أفكر، لم يعد ثمة ما يجعلني أخضع لسيطرتهم بعد الآن، سيكون من الأفضل لي أن أنهي حياتي بنفسي".

 

أنقذت أنـّا للمرة الثانية في أكتوبر من عام 2014 وأخذت إلى بيت آمن تشرف على إدارته جمعية خيرية اسمها "قلوب المدينة".

 

 

" لدي أربع نساء، وأنا الذي أرسل بهن جميعاً إلى الشارع، بينما أبقى أنا في البيت."

في مايو 2015 حوكم أفراد العصابة التي كانت تحتجزها وأدينوا. المتهمة إليزابيتا باتكانيي، وعمرها 27 عاماً من مدينة أوراديا غرب رومانيا، حكم عليها بالسجن لما مجمعه ستة أعوام لضلوعها في الإجبار على الدعارة والاعتداء. أما الرجلان اللذان كانا شريكين لها فقد حكم على كل واحد منهما بالسجن لثمانية عشر شهراً لاقترافهما جريمة الاعتداء.

 

واليوم تحاول أنـّا إعادة بناء حياتها وترغب في أن تصبح مصففة شعر. إلا أنها ماتزال متأثرة جداً بما تعرضت له من محنة قاسية، وتقول الجمعية الخيرية التي تقوم على رعايتها بأنه مازال أمامها طريق طويل قبل العودة إلى ما يمكن أن يوصف بأنه يشبه الحياة الطبيعية.

 

نظراً لأن العبودية الحديثة تظل جريمة خفية فإن من المستحيل الإحاطة بالضبط بعدد من يجري استعبادهم وتسخيرهم في ممارسة الدعارة داخل المملكة المتحدة.

 

بناء على تقديرات الحكومة هناك ما يقرب من 13 ألف شخص ممن هم ضحايا لكافة أشكال العبودية. إلا أن النشطاء في حقل مكافحة العبودية يقولون إن الأرقام الحقيقية أكبر من ذلك بكثير.

 

في العام الماضي تم التعرف على 863 شخصاً بالغاً ممن يحتمل وقوعهم في شرك العبودية الجنسية ويمثل ذلك ما مقداره 30% زيادة على ما كان عليه الوضع في عام 2014، وذلك حسب ما أوردته الوكالة الوطنية للجريمة.

 

أما الأطفال ممن يحتمل وقوعهم في شرك العبودية الجنسية وتم التعرف عليهم فيبلغ عددهم 217 منهم 105 من مواطني المملكة المتحدة، وهذا يمثل زيادة تبلغ 64% عما كان عليه الحال في عام 2014.

 

في عام 2011، أبرمت جمعية جيش الخلاص الخيرية عقداً مع الحكومة البريطانية لإدارة بيوت آمنة لإيواء ورعاية ضحايا العبودية الحديثة. تقول آن ريد، مديرة قسم مكافحة تهريب البشر، إن عدد الأشخاص الذين استفادوا من هذه الخدمة في السنة الأولى بلغ 380.

 

ولكنهم آووا خلال الشهور الستة الماضية وحدها ما يزيد عن ألف ضحية، مما رفع عدد من أحيلوا إلى جمعية جيش الخلاص لتلقي الدعم والمساندة إلى أربعة آلاف.

 

تقول آن ريد: "ما من شك في أن حجم مشكلة العبودية الحديثة ضخم جداً. نحن لا نرى منها سوى قمة الجبل الجليدي".

 

التهريب والعبودية

4

المراسل

دايفيد هاريسون

 

إنتاج وإخراج

جايسون جوين

 

مدير التصوير والإضاءة

كريس أوليفوتوس

 

تصوير اضافي

إيمانيويل باناريتوس

 

محرر الصورة

أدريان بيلنغ

كريس أوليفوتوس

 

المنتج المنفذ

ويل جوردان

فيل ريس

 

بحث

رادو تشورنيسويك

وباحثون فيتناميون متخفون