تحقيق استقصائي

ختان الإناث في اليمن

أرقام صادمة تعززها سنوات الحرب وضعف القوانين

صنعاء - علياء يوسف

"قالوا لي ضروري أكون طاهرة، وإنني بدون الختان ما أصلح للصلاة ولا للطبخ ولا للزواج"

بمقتضى هذه المقولة -التي تمزج بين الجانبين الاجتماعي والديني- أجرت "فايزة مقبل" (اسم مستعار) ذات الـ23 عاما عملية ختان في مايو/أيار الماضي، مما أدى إلى إصابتها بفقر دم حاد وأضرار في المجاري البولية والتهابات حادة وخطيرة.

خلال عملية الختان تم استئصال أجزاء خارجية من الجهاز التناسلي بشكل خاطئ، مما تسبب لها بجروح عميقة ونزيف استمر معها لأيام بعد أن استعانت والدتها بممرضة تعمل في أحد المراكز الصحية في المنطقة للقيام بعملية الختان، وبقيت فايزة تتردد على مركز النور النموذجي الحديث في قرية هجدة بمحافظة تعز لمتابعة العلاج.

يقول اسماعيل الشميري الطبيب المباشر لحالتها إن فايزة بحاجة إلى تدخل جراحي والخضوع إلى متابعة علاجية تستمر لأشهر، مضيفا أن "مثل هذه الحالات تصل إلينا بكثرة، إذ يتم في أغلبيتها استئصال أجزاء من العضو التناسلي، إما بعد الولادة مباشرة أو حتى في مراحل عمرية متقدمة، مما يؤدي إلى نتائج وخيمة".

وفي حضرموت، أجريت للطفلة سناء عملية ختان في يومها السابع من قبل جدتها، استأصلت خلالها أيضا أجزاء من الجهاز التناسلي، مما تسبب لها في نزيف حاد استدعى دخولها إلى وحدة العناية المركزة للعلاج لتفارق الحياة هناك.

تقول يسرى محروس -وهي عاملة صحية تعمل منذ 10 سنوات في ختان الفتيات- إن سناء عندما وصلت إليها من منطقة ريفية كانت في حالة صحية حرجة وقد نزفت بشكل حاد، وإنه تم استخدام المخيط للمقاربة بين الأجزاء ثم استئصالها، فطلبت نقلها فورا إلى أحد المراكز الصحية للعناية فتوفيت هناك، ورغم ذلك فإن والدها لا يزال يعتقد أن عملية الختان ضرورية للفتيات، مؤكدا "حتى إذا جاءتني ابنة أخرى فسأقوم بختانها".

عادة مستحكمة

في هذا التحقيق، وثقت معدة التحقيق عشرات القصص لفتيات توفين أو تعرضن لمضاعفات صحية متفاوتة مؤقتة ودائمة بسبب خضوعهن لعملية الختان. وتعرّف منظمة الصحة العالمية الختان بأنه كافة الممارسات التي تتضمن الإزالة الجزئية أو الكلية للأعضاء التناسلية للإناث لأسباب غير طبية.

فايزة وسناء حالتان من 37 فتاة توفي عدد منهن أو تعرضن لمضاعفات صحية احتاجت إلى عمليات تدخل جراحي رصدتها معدة التحقيق خلال عملية مسح بدأت في مايو/أيار 2019 واستمرت حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2020، وشمل المسح 12 محافظة تنتشر فيها هذه الظاهرة، واستهدف المسح الفتيات التي تعرضن لعملية الختان.

وتفيد المعطيات التي أفرزها البحث أن محافظات الحديدة وحضرموت وتعز هي أكثر المحافظات التي ارتفعت فيها نسبة الفتيات اللاتي أجريت لهن عملية الختان، وأن ما نسبته 19.4% من القائمين بعملية الختان هم أطباء وممرضون وأعوان يعملون في مراكز صحية حكومية وخاصة، فيما توزعت باقي النسب على "الدايات"، وهن نساء يمتهن التوليد والختان، كما قد يتولى أحد أفراد العائلة بنفسه عملية الختان.

وأظهر المسح أيضا أن 10.6% من العمليات تمت في مراكز صحية حكومية و13.7% في عيادات خاصة، فيما توزعت النسب المتبقية على منزل القائم بعملية الختان أو منزل الضحية.

وتراوحت الأضرار الناجمة عن الختان وفقا للحالات بين الوفاة والنزيف الحاد والتهابات المسالك البولية المزمنة وتكوّن أكياس دهنية وأضرار أخرى.

المسح أكد أيضا أنه من إجمالي الحالات التي تم رصدها (96 حالة) فإن هناك 42 فتاة أجريت لهن عملية الختان في مراكز صحية حكومية وخاصة من قبل مختصين، وهو ما يخالف القرار الوزاري رقم 3/1 لعام 2001 الذي نص على منع القيام بعمليات الختان من قبل جميع العاملين الصحيين وفي الوحدات الصحية العامة والخاصة، وهو القرار الذي جاء اتساقا مع الاتفاقيات الدولية وتوصيات الأمم المتحدة التي وقّع عليها اليمن.

أضرار يصعب تلافيها

يستقبل الطبيب إسماعيل الشميري -وهو طبيب عام يعمل في مركز النور النموذجي الحديث الصحي بهجدة في محافظة تعز- الكثير من الحالات المصابة بأعراض وتأثيرات ناتجة عن عملية الختان.

ويقول الشميري إن الأضرار الصحية التي يتسبب بها الختان قد تؤدي الى الوفاة أو أمراض مزمنة، كالتهابات المسالك البولية واحتقان الحوض وتضرر المثانة والجهاز التناسلي.

وأضاف أن "فايزة" وصلت إليه وهي في حالة حرجة، وشخصت حالتها بضعف حاد في الدم يستدعي حصولها على كميات كبيرة منه، وأن حالة النزيف ناتجة عن تضرر بعض الأوردة والمستقبلات العصبية والتي أضرت بدورها بمجرى البول، مما تسبب لها في انتشار البول أو فقدان السيطرة عليه.

وأدى ذلك إلى حصول التهابات في المسالك البولية قد تؤدي مستقبلا إلى الأضرار بالحالب والمثانة أو تكوّن أكياس دهنية، وهو ما يستدعي متابعة علاجية، إضافة إلى عملية تجميلية باهظة جدا وغير متوفرة إلا في بعض المستشفيات في البلاد، وفق الشميري.

وتمتد أضرار الختان لتشمل عملية الولادة والصحة الجنسية والنفسية، وتؤكد الدكتورة زينب أحمد الخزان -وهي استشارية نساء وولادة- أن للختان أضرارا صحية بالغة، فإلى جانب تسببه بالتشوهات للأعضاء التناسلية فإنه سبب في زيادة احتمالية إصابة المرأة بالالتهابات الحوضية وزيادة احتمالية الإصابة بالناسور الولادي.

وبحسب الدكتورة الخزان، تقلل عملية الختان أيضا اتساع مجرى الولادة، مما يستدعي توسعة المكان في أكثر من اتجاه، كما قد تتسبب في زيادة الإصابات الفيروسية وقلة الرغبة الجنسية، إلى جانب الأضرار النفسية التي تتراوح بين الشعور بالقلق والخوف والاكتئاب والإحساس بالنقص وفقدان الثقة بالنفس.

سلطة التقاليد وضعف القانون

وفقا لتتبع بيانات المرضى لدى 5 أطباء يستقبلون عشرات الحالات المصابة بأعراض ومضاعفات ناتجة عن ختان الإناث، فإن هناك حالتين من كل 10 حالات بحاجة إلى نوع من أنواع التدخل الجراحي، وهناك 5 من كل 10 حالات لديها عرض أو تأثير قد يستمر معها لسنوات.

وتحدث الأطباء لمعدة التحقيق عن أن الحالات زادت بشكل ملحوظ خلال فترة الحرب، وذلك مع ضعف الرقابة على الوحدات الصحية.

تقول يسرى محروس العاملة الصحية في مجال ختان الإناث إنها تعمل في هذه المهنة منذ 10 سنوات، وإنها تستقبل حالات بشكل شبه يومي من محافظة حضرموت وبعض المحافظات اليمنية المجاورة، إضافة إلى استقبالها حالات من المملكة العربية السعودية، مشيرة إلى أنها تقوم بهذه العملية في أحد المستشفيات الحكومية، إضافة إلى عيادتها المنزلية.

وتعتقد يسرى أن عملية الختان ضرورة ملحة للحفاظ على شرف الفتاة وعفتها، وهو الأمر الذي كشف عنه أيضا التحقيق في عملية الرصد، حيث يعتقد 98% من الحالات التي شملها أن الختان ضرورة للفتاة لتقليل شهوتها والحفاظ على عفتها، وأنه طهارة لها، فيما يعتقد البقية أنه عبارة عن عرف وتقليد متبع.

تضيف يسرى أنها واجهت حالات كثيرة لفتيات تضررن من الختان إما بالنزيف أو الألم الشديد أو انسداد فتحة البول، كما أن بعضهن توفين، مشيرة إلى أن أغلبية حالات الختان هي لفتيات دون الأسبوع من العمر، وأن هناك فتيات يتم ختانهن بعد مرور سنوات.

من جهتها، تقول مديرة الصحة الإنجابية في محافظة حضرموت الساحل الدكتورة فاطمة محمد العيدروس إنه "من الخطأ منع الختان قانونيا في المرافق الصحية إذا أردنا تجنب العواقب والمضاعفات"، مضيفة أنها رفعت توصيات بتدريب عدد من القابلات والصحيين على الطريقة الصحيحة للختان، وإلغاء القانون الذي يمنع ممارسته في المرافق الصحية.

ووفقا للعيدروس، فإن موضوع الختان "حرية شخصية، وقد أخذ أكبر من حجمه"، وهو في زيادة مستمرة حسب الدراسات الميدانية، ويجرى في مرافق صحية حكومية وخاصة.

أجريت عملية جراحية لمريم (15عاما) القاطنة في مديرية كسمة بمحافظة ريمة استؤصل خلالها كيس دهني بعد عملية ختان أجرتها إحدى الدايات في قريتها بعد ولادتها بـ10 أيام قطعت خلالها أجزاء خارجية من الجهاز التناسلي وقامت برش بعض الزيت والكركم (الهرد) والكحل على الجرح كإجراء وقائي من النزيف والالتصاق للأعضاء، وهو أمر متعارف عليه في أغلب عمليات الختان التقليدية.

ومع ذلك، تقول والدة مريم "إن كل بناتها مختونات، وإن الأمر يعتبر طهارة للفتاة، وبدونه تكون الفتاة غير مكتملة"، مضيفة أن بعض أخوات مريم تعرضن لنزيف وألم شديد استمر لأيام بعد عملية الختان، لكن -بحسبها- تبقى "البنت المختونة نظيفة وطاهرة، وغير المختونة غير نظيفة"، فيما أكد والد مريم أنه يؤيد عملية الختان باعتبار أن الأمر مرتبط بالدين، وأنه يخاف مخالفة السنة النبوية، وفق تقديره.

نسب مرتفعة وقانون معطل

في دراسة ميدانية قام بها صندوق الأمم المتحدة للسكان في العام 2013 حول حجم انتشار ظاهرة الختان في اليمن برفقة وزارة الصحة العامة والسكان اليمنية وشمل 20 ألف أسرة يمنية واستعرضتها مسؤولة الإعلام في الصندوق فهمية الفتيح مع معدة التحقيق يظهر أن ما نسبته 19% من النساء قد تعرضن لشكل من أشكال الختان، وأن ما يزيد على 90% قد تعرضن لقطع وإزالة أجزاء لحمية أثناء عملية الختان، وأن النسبة المتبقية لم تكن قادرة على تقديم تفاصيل بشأن نوع الختان لديهن.

وتظهر الدراسة أيضا أن ختان الإناث لم يتغير خلال الأعوام (1997-2013)، فالنسبة تتراوح بين 19 و21% خلال تلك الفترة، ومع الحرب توقفت الدراسات والبحوث في هذا الجانب مع بقاء الظاهرة وتوسعها.

وتؤكد اختصاصية برامج الصحة الإنجابية بصندوق الأمم المتحدة للسكان أفراح الأديمي أن هذه الظاهرة تنتشر بشكل كبير في المناطق والمحافظات الساحلية، وقد تصل النسبة إلى 98%.

مكرمة للنساء

الغرض من الختان هو حصول الفتاة على التطهير، يقول حميد الفقيه -وهو أحد مشايخ المذهب الشافعي- في محافظة الحديدة.

ويضيف الفقيه أن الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء، وعدم قيام الفتاة أو الأسرة به لا يعني أنها خالفت الشريعة الإسلامية.

وقال إنه إذا اقتضى أو ترتب على الختان أي أذى للفتاة بسبب خطأ في إجراء العملية أو عدم قدرة الفتاة الصحية على تحمله أو أي أسباب قد تلحق الضرر بها حينها أو في المستقبل "فالأولى تركه"، وقد يصل حكمه في هذه الحالات -بالقياس- إلى التحريم، حسب الشيخ الفقيه.

في المقابل، قال العلامة عبد الله محمد الشاذلي -وهو أحد مشايخ المذهب الزيدي في محافظة صنعاء- إن الدين الصحيح لا يمكن أن يشرع ما فيه ضرر لأحد، وعليه فإذا ثبت بطريقة طبية علمية ضرر في ختان الإناث فهو "غير جائز".

وأشار إلى النصوص الموجودة في مراجع المذهب الزيدي، ومن أهمها ما ورد في مجموع الإمام الأعظم زيد بن علي عليهما السلام عن علي عليه السلام أنه قال: الختان سنة للرجال تكرمة للنساء.

وقال إن التكرمة للنساء فسرت بأنها تضعف "شدة الشبق" لديهن، ويؤخذ من الحديث أن الختان للنساء ليس مشروعا لأنه لم يشركه مع ختان الرجال في وصفه بالسنة، ومما استدل به من قال بوجوبه على النساء قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأم عطية "أشيمي ولا تنهكي"، وغايته أنه يفيد بأنه إذا كان ولا بد من الختان فلا تقطعي كثيرا، وهو لا يدل على المشروعية، بل هو تدبير للخاتنة حتى لا تلحق الضرر بالمختونة "وعليه فلم تظهر لي مشروعيته".

حبر على ورق

تفتقر وزارة الصحة العامة والسكان اليمنية إلى الإحصائيات عن هذه الظاهرة ومدى انتشارها وعن الأضرار الناتجة عنها، ولا توجد لديها أي معلومات رقابية عن تنفيذ القرار الوزاري رقم 1/3 لسنة 2001.

بدوره، يقول الدكتور نجيب القباطي المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة العامة والسكان ووكيل الوزارة لقطاع الصحة الإنجابية إن الوزارة لا تعلم عن وجود مراكز صحية وعيادات ومختصين يقومون بعمليات ختان الإناث، مشيرا إلى استغرابه من حصول ذلك.

وقال إن "بياناتنا بخصوص هذه الظاهرة ليست محدثة، والحديث عن هذه الموضوع في هذه الفترة غير مناسب"، وقال إنه وفق القرار الوزاري رقم 1/3 لسنة 2001 فهذا الأمر ممنوع، وستعمل الوزارة على تنظيمه".

تفيد إحصائية صادرة عن صندوق الأمم المتحدة للسكان في يونيو/حزيران 2020 أن نسبة 19% من الإناث الذين تتراوح أعمارهن بين 15 و49 عاما في اليمن خضعن للختان، وجاءت اليمن بذلك في المرتبة السادسة بعد الصومال، وجيبوتي ومصر والسودان وموريتانيا، من حيث ترتيب الدول العربية التي تنتشر فيها هذه الظاهرة.

وأقرت مصر في يناير/كانون الثاني الماضي تعديلات على بعض أحكام قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937، وأدرجت عقوبات جديدة رادعة حيال ختان الإناث، كما أصدر السودان في أبريل/نيسان 2020 قانونا يجرم عقوبة الختان بالسجن 3 سنوات، لكن القرار الوزاري اليمني بقي حبرا على ورق، ولا يخضع لأي متابعة أو رقابة، رغم زيادة حجم الظاهرة بفعل سنوات الحرب وتأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.

ونتيجة تفشى فيروس كورونا، الذي تسبب في إغلاق المدارس وتعطيل برامج المساعدة في حماية الفتيات من هذه الممارسة؛ تحذر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) من أن مليوني أنثى حول العالم -بما فيها العالم العربي- قد يتعرضن للختان أو تشويه أعضائهن التناسلية -وفق مفهوم منظمة الصحة العالمية- بحلول عام 2030، وبذلك سيلتحقن بنحو 200 مليون أنثى خضعن فعلا لهذه الممارسة.

وفي حين تؤثر يمنيات كثيرات الصمت خوفا وخجلا ومجاراة للواقع، تندب فايزة حظها بعد أن قرر الطبيب إجراء عملية جراحية لها، إضافة إلى متابعة علاجية تستمر شهورا، وتشتكي من ضيق الحالة المادية التي قد تمنعها من إجراء هذه العملية، ومن الحالة الصحية والنفسية السيئة التي ترافقها منذ إجراء عملية الختان، وتختصر مرارة تجربتها بقولها "إذا رزقت ببنت فمن المستحيل أن أعرضها للختان".