60 عاما على رحلة يوري غاغارين

كيف أطلقت الحرب الباردة سباق الفضاء؟

كان يوري أليكسيفيتش غاغارين فتى يافعا في قرية "كلوشينو" الصغيرة الواقعة غرب روسيا حين شاهد طائرة "ياك" سوفياتية تهبط اضطراريا في ذروة الغزو الألماني للاتحاد السوفياتي في أربعينيات القرن الماضي، أدهشه منظر الهبوط الصعب، وتملكه منذ ذلك الوقت حلم الطيران والوصول إلى أبعد مدى في الفضاء.

لقي غاغارين حتفه في الـ34 من عمره خلال تحطم طائرة "ميغ 15" (Mig15)، لكن بين هذا وذاك أصبح الرجل أسطورة سوفياتية لا تنازع، ورمزا للإنسانية كأول من يصعد إلى الفضاء الخارجي للأرض، ولا يجاريه في ذلك إلا نيل أرمسترونغ زميله الأميركي الذي كان أول إنسان يخطو على سطح القمر.

حقق إنجاز غاغارين بذلك مجدا سوفياتيا كبيرا في ذروة الحرب الباردة، وقاد البشرية إلى خطوات عملاقة في غزو الفضاء حفزها التنافس العسكري بين الولايات المتحدة الرأسمالية-الليبرالية والاتحاد السوفياتي الشيوعي-الاشتراكي، ومحاولات السبق في هذا المجال كعنوان للتفوق العلمي وإثبات الجدارة بقيادة العالم.

1- غاغارين.. الرائد الأسطورة

ولد يوري أليكسيفيتش غاغارين عام 1934 في قرية "كلوشينو" غرب روسيا لعائلة فقيرة تعمل في الزراعة، تعطلت دراسته في مدرسة القرية بسبب احتلال القوات الألمانية لها خلال الحرب العالمية الثانية، ولم تستأنف إلا بعد قيام الجيش الأحمر بتحريرها، التحق في عام 1949 بالمعهد التجاري ثم المعهد الصناعي في مدينة ساراتوف وسط روسيا.

خلال وجوده هناك التحق بنادي للطيران، وهيأه شغفه لإتقان فنونه الطيران وتقنياته بشكل ممتاز، مما شجعه على الالتحاق بالكلية الحربية للطيران في أورنبرغ سنة 1955، حيث تخرج عام 1957 حائزا على مرتبة الشرف.

التحق بقاعدة جوية في مدينة مورماسك، وحصل في نهاية خدمته هناك على لقب طيار حربي من الدرجة الأولى، اختير ضمن 3 أشخاص تم ترشيحهم في عام 1960 لارتياد الفضاء في مدينة النجوم التي شكلت عماد الإنجازات الفضائية السوفياتية والروسية فيما بعد.

انطلق غاغارين في 12 أبريل/نيسان 1961 إلى الفضاء على متن مركبة "فوستوك 1" (Vostok 1)، بواسطة صاروخ حمل نفس الاسم، وأصبح بعد رحلته تلك رمزا سوفياتيا وعالميا.

لقي مصرعه خلال إحدى الطلعات الجوية التدريبية على متن طائرة من طراز "ميغ 15" في 27 مارس/آذار 1968، وشكلت القيادة السوفياتية لجان تحقيق عديدة للوقوف على أسباب الكارثة الجوية التي أودت بحياته، وجميعها توصلت إلى أن الحادث لم يكن مدبرا ونجم عن أسباب فنية محضة.

2- 108 دقائق هزت العالم

في الساعة 9:07 بتوقيت موسكو يوم 12 أبريل/نيسان 1961 (6:07 بالتوقيت العالمي) أطلق يوري غاغارين عبر الأثير كلمته الشهيرة "فلننطلق"، لتحمله "مركبة فوستوك 1" في أول رحلة فضائية مأهولة حول كوكب الأرض من قاعدة "بايكونور" الفضائية في كازاخستان، بعد نجاح الإطلاق بنحو 10 دقائق أعلنت وكالة الأنباء الرسمية "تاس" الخبر الذي هز العالم عن إطلاق أول مركبة مأهولة في التاريخ لتدور حول الأرض.

في ظروف الحرب الباردة آنذاك والتسابق بين القطبين استقبل العالم الخبر بين الإعجاب والاندهاش والتكذيب، هبط غاغارين بمظلته بعد ذلك على بعد 8 كيلومترات من المركبة، ليكون بذلك قد أمضى 108 دقائق في مدار حول الأرض غيرت وجه العالم.

3- هاجس عسكرة الفضاء

بعد تحقيق الردع النووي المتبادل بتفجير الاتحاد السوفياتي أول قنبلة نووية عام 1949 ردا على امتلاك الولايات المتحدة هذا السلاح واستعماله في قصف مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين عام 1945 أصبح هاجس الدولتين تطوير القدرة التفجيرية للنووي، وإيجاد الوسيلة اللازمة لإيصاله إلى أراضي الطرف الآخر لضمان الضربة الحاسمة.

وأوجد ذلك الخوف تنافسا في تطوير تقنية الصواريخ العابرة وبعيدة المدى والتي كانت أساس سباق غزو الفضاء، إذ إن الصاروخ الذي يحمل القنابل الذرية لمئات أو آلاف الأميال يمكن أيضا أن يحمل الإنسان إلى الفضاء الخارجي.

بذلك ارتبطت برامج الفضاء اللاحقة للدولتين بتطوير تقنيات الصواريخ ومركبات الإطلاق، وقد استفادتا في البداية من خبرات وقدرات العلماء الألمان الأسرى حين تسابقت الدولتان أواخر الحرب العالمية الثانية وسقوط ألمانيا للحصول على أبرز العقول الألمانية التي خدمت برنامج الصواريخ المتطور لدى الرايخ الثالث.

كان المهندس النابغة سيرغي كوروليف هو المصمم الرئيسي للصواريخ السوفياتية، وهو الذي صمم صاروخ "آر 7" (R7) الذي أطلق أول قمر صناعي "سبوتنيك 1" Sputnik 1)) إلى الفضاء في 4 أكتوبر/تشرين الأول 1957 ثم "سبوتنيك 2" بعد نحو شهر، وسبب ذلك صدمة وذهولا لدى الأميركيين.

في المقابل، كان نظيره الأميركي فيرنر فون براون -وهو من علماء الصواريخ الألمان الذين ساهموا في صناعة صاروخ "في 2" للرايخ الثالث- وميلتون روزن وغيرهما يكافحون من أجل تحقيق إنجاز يجاري التفوق السوفياتي غير المنتظر، معتمدين أيضا على إرث علمي وتجارب سابقة لرواد في علم الصواريخ، أبرزهم روبرت غودارد.

أطلقت الولايات المتحدة قمرها الصناعي الأول "أكسبلورر 1" Explorer 1)‏) بعد نحو 4 أشهر من إطلاق "سبوتنيك 1"، وجرى ذلك إثر محاولات إطلاق كثيرة فاشلة سببت إحراجا للأميركيين، حيث كانوا يعتقدون بتقدم برنامجهم الفضائي الذي استفاد في البداية أيضا من جهود وخبرات أكثر من ألف عالم ألماني، بينهم فون براون.

4- سباق الزعامة

اعتمد البرنامج الفضائي السوفياتي على ستار من السرية والتكتم الشديدين مستندا على الأسس النظرية الرائدة لعالم الفيزياء النظرية قسطنطين تسيولكوفسكي وجهود مجموعة من العلماء الشباب، من بينهم سيرغي كوروليوف وميخائيل تيخونرافوف، إضافة إلى آلاف المهندسين والخبراء الألمان الذين تم نقلهم من ألمانيا بعد احتلالها بنهاية الحرب العالمية الثانية.

وتظهر الإنجازات التي حققها الاتحاد السوفياتي خلال عقدي الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي تفوقا واضحا في مجال غزو الفضاء، ورغم الإخفاقات العديدة التي تم التكتم بشأنها فإن أسلوب الدعاية الذي اعتمدته موسكو والترحيب العالمي بالإنجازات السوفياتية غير المسبوقة سبب ما عرفت في الإعلام الأميركي بـ"أزمة سبوتنيك".

فرغم التطور العلمي وتوفر الموارد كان البرنامج الأميركي الذي سمي "مشروع ميركيري " (Project Mercury ) يعاني من بعض الانتكاسات نتيجة عدم تحديد الأولويات وتعدد الهيئات المشرفة وتشتت البرامج والجهود بين المدني والعسكري، حيث كانت للولايات المتحدة مشاريع مختلفة في مجال الصواريخ ومركبات الإطلاق مثل "ريدستون"، و"فايكينغ"، و"أطلس"، و"فانغارد"، و"جوبيتر".

إضافة إلى ذلك، كان العمل حثيثا على برامج تطوير أقمار صناعية وطائرة الاستطلاع (التجسس) ذات الارتفاعات العالية والتي سميت لاحقا "يو 2" (U2). وقد أسقط الاتحاد السوفياتي إحداها في 1 مايو/أيار 1960 وأسر طيارها فرانسيس غاري باورز، في واحدة من أخطر أزمات الحرب الباردة.

وفي 31 يناير/كانون الثاني 1958 أطلقت للولايات المتحدة أخيرا قمرا صناعيا في المدار تحت اسم "إكسبلورر1"، وتبعه "فانغارد1" (Vanguard 1) بعد 6 أسابيع. وفي تلك السنة تأسست الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء "ناسا" (NASA)، وبدأت عملها فعليا في 1 أكتوبر/تشرين الأول 1958 كهيئة مدنية لإدارة برنامج الفضاء الأميركي. استوعبت "ناسا" معظم المشاريع والبرامج السابقة، لكن مشاريع أخرى سرية وعسكرية بقيت في عهدة الجيش والاستخبارات.

لاحقا، أقرت الولايات المتحدة مشروع "أبولو" (Project Appolo) للوصول إلى القمر، وبلغ عدد العاملين في وكالة ناسا في بداية الستينيات عشرات الآلاف بين علماء ومهندسين ومتعاونين، وخصصت ميزانية ضخمة لهذا المشروع بمليارات الدولارات. ويبين التسلسل الزمني التالي أهم مراحل التسابق بين واشنطن وموسكو للسيطرة على الفضاء في حقبة الستينيات من القرن الـ20.

5- الوصول إلى القمر

كان هبوط بعثة "أبولو 11" على سطح القمر إنجازا هائلا للولايات المتحدة وللبشرية جمعاء وحاسما في استعادة التفوق الأميركي على السوفيات في مجال الفضاء. وقد خصصت الولايات المتحدة لمشروع "أبولو" موارد بشرية ومادية هائلة وميزانية ضخمة قدرت بنحو 25 مليار دولار، أي ما يقدر بنحو 175 مليار دولار في الوقت الحالي.

في المقابل، تعثر البرنامج السوفياتي الطموح للوصول إلى القمر بعد وفاة العالم سيرغي كوروليف عام 1966، وكان هذا البرنامج مشابها في خطوطه العريضة للمشروع الأميركي وأكثر تفوقا في بعض جوانبه، لكنه كان متسرعا وأقل تمويلا.

رائد الفضاء الأميركي نيل أرمسترونغ على سطح القمر (وكالة ناسا)

وألقى مقتل رائد الفضاء البارز فلاديمير كوماروف في 24 أبريل/نيسان 1967 في تحطم مركبة الفضاء "سويوز 1" خلال رحلتها الأولى بظلاله على المشروع السوفياتي، لكن هذه المركبة أصبحت لاحقا من أعمدة برنامج الفضاء لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية ثم روسيا بعد تفكك الاتحاد عام 1991.

قام السوفيات بين عامي 1969 و1972 بـ4 محاولات لإطلاق مركبة إنزال على سطح القمر فشلت جميعها بسبب العيوب في تصنيع صاروخ "إن 1" N1)) الذي كان معدا لهذه المهمة، وأنهى الاتحاد السوفياتي رسميا مشروعه لإرسال مركبة مأهولة إلى القمر عام 1974.

لكن ذلك لم يحل دون تحقيق سبق آخر وهو إطلاق أول محطة فضائية مدارية مأهولة تحت اسم "ساليوت 1" (Salyut 1) في 19 أبريل/نيسان 1971، تلتها 7 محطات أخرى، وتطور البرنامج عام 1986 بإطلاق محطة "مير" (Mir) التي اعتبرت أضخم جسم يبنيه الإنسان في الفضاء، وعدّت أيضا من مفاخر برنامج الفضاء السوفياتي. استمر عملها الفعلي في المدار الأرضي لأكثر من عشر سنوات، وأنهيت خدمتها رسميا عام 2001 حيث تم إسقاطها واحترقت معظم أجزائها في الغلاف الجوي.

محطة الفضاء الروسية مير تحلق في المدار الأرضي المنخفض ( وكالة ناسا)

6- ما بعد القمر

تجمع الدراسات على أن صعود يوري غاغارين إلى الفضاء على متن "سبوتنيك 1" وهبوط بعثة "أبولو11" على القمر يعدان أهم خطوتين للبشرية في غزو الفضاء، فقد فتحتا -مدفوعتين بالتنافس الأيديولوجي والتخوف من عسكرة الفضاء آنذاك- مجالا واسعا لتقدم علمي باهر واكتشافات عظيمة لعالم الفضاء، وكانتا عاملا رئيسيا مؤثرا في تاريخ رحلات الفضاء حتى الآن.

وفي منتصف السبعينيات من القرن الماضي خفت حدة التنافس بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة نسبيا رغم بقاء الهاجس العسكري، وحل محله شكل من أشكال التعاون تجسد في التحام مركبتي الفضاء "أبولو" و"سويوز" في يوليو/تموز 1975، كما تغيرت أولويات برنامج الفضاء الأميركي مع إنهاء الرحلات القمرية وتقلص ميزانية وكالة "ناسا".

ركز برنامج الفضاء الأميركي لاحقا على إرسال المركبات الروبوتية والتلسكوبات لاكتشاف أعماق النظام الشمسي، وكذلك الرد على بناء السوفيات محطات مدارية ثابتة عبر تصنيع مكوك فضاء قابل لإعادة الاستخدام -تطلق بصواريخ دافعة وتنزل كالطائرة- مثل "كولومبيا" (Columbia) و"تشالنجر" (Challenger) و"ديسكفري"(Discovery) و"أتلانتس"،(Atlantis) و"أنديفور"(Endeavour).

واتضح لاحقا أن هذه المركبات باهظة التكاليف وتشكو من عيوب تصنيعية، إذ انفجر المكوك "تشالنجر" في 28 يناير/كانون الثاني 1987 أثناء إطلاقه وقتل 7 رواد فضاء، وتحطم مكوك "كولومبيا" يوم 1 فبراير/شباط 2003 أثناء عودته من رحلة استمرت 16 يوما في الفضاء وقتل 7 رواد فضاء أيضا. كما هبط المكوك "أتلانتس" بأضرار بالغة في إحدى رحلاته في ديسمبر/كانون الأول 1988.

لكن هذه المركبات نجحت في قطع ملايين الكيلومترات في الفضاء، وقامت بمئات المهمات المدنية والعسكرية، وقدمت خدمات علمية كبيرة قبل إنهاء مهامها عام 2011، كما مثلت سبقا للولايات المتحدة في صراع الفضاء، حيث صنع الاتحاد السوفياتي المكوك "بوران" الذي أطلق عام 1988 لمرة واحدة وأحيل على التقاعد مبكرا رغم تكلفته الباهظة.

مكوك الفضاء "تشالنجر" انفجر بعد 73 ثانية من إطلاقه (أسوشيتد برس)

6- الفضاء للجميع

كان التخوف من استعمال الفضاء لأغراض عسكرية خلال الحرب الباردة وبالتالي توجيه الضربة النووية الأولى الحاسمة الدافع الأساسي لكل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي لمحاولة السبق إلى الفضاء، ومع تفكك اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية عام 1991 ودخول روسيا -الوريثة- دائرة التدهور الاقتصادي وإعادة البناء انتهى هذا السباق نسبيا من منظور عسكري.

وفي المقابل بدأت دول أخرى تدخل سباق اكتشاف الفضاء من جانب مدني علمي، وبعضها من جانب عسكري. وأسست الكثير من الدول وكالات فضاء لإدارة مشاريعها أسوة بوكالتي "ناسا" الأميركية، و"روسكوسموس" الروسية التي ورثت الإنجازات السوفياتية.

ويبدو المشروع الصيني بشقيه المدني والعسكري الأكثر طموحا، حيث تحتل موازنة إدارة الفضاء الوطنية الصينية المرتبة الثانية عالميا بعد وكالة ناسا الأميركية، كما أن البرامج الواعدة التي وضعتها الصين خلال السنوات القادمة، والمسنودة بقوة اقتصادية كبيرة وتكنولوجيا متطورة، تثير مخاوف الولايات المتحدة من سباق فضاء جديد.

وفقا لتقرير برامج الفضاء الحكومية لعام 2019 الصادر عن مؤسسة الاستشارات الأوروبية (Euroconsult) بلغ إجمالي موازنات برامج الفضاء الحكومية العالمية 70.9 مليار دولار عام 2018 مرتفعا من 62.5 مليار دولار عام 2015.

ويلحظ أن معظم الدول أصبحت لها أقمار صناعية في الفضاء سواء للاتصالات أو لأغراض عسكرية وتجارية وعلمية، لكن الولايات المتحدة تمتلك نحو 50% من هذه الأقمار التي بلغ عددها 2666 في 1 أبريل/نيسان 2020 وفق تقديرات مؤسسة اتحاد العلماء المهتمين (Union of Concerned scientists) الأميركية.

في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1998 أصبحت محطة الفضاء الدولية "آي إس إس" (ISS) من أهم مقومات التعاون الدولي في مجال الفضاء. وقد أطلقت لتعويض محطة الفضاء الروسية- السوفياتية "مير" (Mir) حيث تقام فيها التجارب العلمية المختلفة وتعمل على تحضير البشر لإقامة طويلة في الفضاء. وهي تدور حاليا في المدار الأرضي على ارتفاع 390 كيلومترا تقريبا.

ومع التطور التكنولوجي وتراجع تكاليف الإطلاق أصبحت الكثير من الدول والمنظمات والشركات تطلق أقمارا صناعية صغيرة الحجم ( قد تصل إلى 10 كيلوغرامات) لخدمات الإنترنت الفضائي، حيث أطلقت شركة "سبيس إكس" (SpaceX) التابعة للملياردير الأميركي إيلون ماسك 143 قمرا دفعة واحدة في بداية 2021، وتخطط ضمن مشروع "ستار لينك" (Starlink) لنشر أكثر من 12 ألف قمر لخدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية.

محطة الفضاء الدولية استقرت في مدارها عام 1998(ناسا)

واتجهت الدول الكبرى في مجال الفضاء إلى اكتشاف أعماق الكون السحيق عبر المسابير والتلسكوبات والمركبات الجوالة، وقد تم اكتشاف أكثر من 4 آلاف كوكب خارج المجموعة الشمسية ضمن 3090 نظاما كوكبيا حتى عام 2020.

7- إلى المريخ

منذ رحلة مركبة "مارس إم1" (Mars m1) السوفياتية عام 1960 إلى "بيرسيفيرانس" (Peseverance) الأميركية سنة 2021 أرسلت عشرات المهمات لاستكشاف المريخ قامت بها 5 دول، على رأسها الولايات المتحدة وروسيا (الاتحاد السوفياتي) والاتحاد الأوروبي والهند. كما أرسلت الإمارات مسبار "الأمل" المشترك مع اليابان إلى مدار حول المريخ في أغسطس/آب 2020.

وأطلقت الصين مسبار "تيان وين1" أوائل 2021 يتضمن مركبة مدارية ووحدة هبوط على سطح الكوكب ومركبة جوالة، لتصبح سادس دولة تنظم مهمات غير مأهولة إلى الكوكب الأحمر، وثالث دولة تهبط على سطحه بعد الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة إذا نجحت مهمة "تيان وين1".

ومنذ ستينيات القرن الماضي أرسل الاتحاد السوفياتي 23 مهمة نحو المريخ فشل جزء منها في الوصول إلى هدفه. وأجرت الولايات المتحدة 26 رحلة لم تنجح جميعها، لكن مركبة "فايكنغ 1" الأميركية كانت الأولى التي سارت على سطح المريخ عام 1976.

كما توجد الآن على سطح الكوكب 3 مركبات هبوط أو مختبرات متنقلة أميركية (مسابير) هي "كيوريوسيتي" (Curiosity) التي هبطت هناك عام 2012، و"إنسايت" (Insight) عام 2018، و"بيرسيفيرانس" عام 2021، فيما فقد الاتصال عام 2018 بمركبة "أوبورتيونيتي" (Opportunity) التي أطلقت سنة 2004 بعد أن أدت مهامها بنجاح.

وتستهدف هذه المهمات -التي تتم ضمن برنامج "أرتميس"(Artemes)- البحث عن أشكال حياة على سطح المريخ ودراسة الكوكب بشكل مستفيض كجزء من جهود إيصال رواد فضاء إلى هناك مستقبلا. وسيسبق ذلك كمرحلة أولى التأسيس لوجود بشري دائم على القمر وبناء قواعد ومحطات لوجستية هناك.

ويسري اعتقاد بأن أول رحلة مأهولة إلى المريخ لن تحصل خلال القرن الحالي نظرا لصعوبات مختلفة، من بينها أن رحلة الذهاب والعودة تتطلب أكثر من سنتين بالإمكانات والظروف الحالية، إذ يبعد كوكب المريخ أكثر بـ150 مرة عن الأرض مقارنة بالقمر في حالة التقارب المداري الذي يحصل كل عامين.

فيديو: نزول "بيرسيفيرانس" على سطح المريخ (وكالة ناسا)

كما أن مهمة كهذه ستتطلب نوعا ثقيلا ومختلفا من الصواريخ والمركبات الآمنة بالنسبة للبشر والقادرة على حمل كميات كبيرة من الوقود والمعدات اللوجستية تكفي لمدة سنتين حتى حصول التقارب التالي بين الكوكبين والذي قد يصل إلى حدود 54.6 مليون كلم.

في المقابل، يرى المتفائلون أن إلهام الرحلة المدارية ليوري غاغارين قبل 60 عاما ورحلة "أبولو 11" إلى القمر بعدها بثمان سنوات، باعتبارهما إعجازيتين في وقتهما، والتطور التكنولوجي المطرد الذي يشهده العالم بالتجربة والتراكم ودخول قوى أخرى كالهند والصين كمنافس جدي في غزو الفضاء، واستثمار شركات عملاقة في هذا المجال قد يجعل هبوط الإنسان على المريخ ممكنا في العقود القادمة.