على أي فئة من الأخبار ركز الموقع عند إطلاق؟ كم كان عدد صحفييه وقتها؟ من هي المواقع التي نافسته وغيرها من الأسئلة والوقائع يجيب عليها أول رئيس لتحرير الموقع في حوار أجراه أمين حبيلا.

حدثنا عن ظروف توليك رئاسة تحرير الجزيرة نت.. متى بدأت ومتى انتهت؟

فكرة إطلاق موقع الجزيرة نت راودتني من البداية نتيجة لمتابعتي لبعض المواقع الأجنبية مثل "سي إن إن" CNN)) و"بي بي سي" (BBC)، والغارديان (The Guardian)، كانت لكل هذه المؤسسات الإعلامية -سواء أكانت قنوات أم صحفا- مواقع تتبع لها على الإنترنت، وكنت دائما أقول لماذا لا يكون للجزيرة موقع على الإنترنت باللغة العربية كما لهؤلاء القوم، خصوصا أنه لم تكن توجد في ذلك الوقت أية مواقع إخبارية عربية على الإنترنت.

راودتني الفكرة في بداية العام 2000 واقترحتها على الإدارة حينها، وفعلا وافقت عليها، ولكن التنفيذ لم يحدث إلا بعد أن ذهبت إلى أفغانستان لافتتاح مكتب الجزيرة في كابل أيام حكم حركة طالبان لأفغانستان، وحين عدت من تلك المهمة، انتقلت من غرفة الأخبار إلى الموقع، وبدأنا العمل على إطلاقه، ليكون أول موقع إخباري باللغة العربية، واتفقنا مع شركة هورايزون لإعداد نظام للنشر، وبعد فترة من العمل التجريبي المتواصل وتدريب الصحفيين انطلق الموقع، وأذكر أننا عملنا احتفالا بسيطا عند منتصف الليل ومع بداية اليوم الجديد، إيذانا بانطلاق أول تجربة من نوعها في العالم العربي.

وفي تصوري أن فكرة إطلاق موقع الجزيرة نت كانت فكرة في محلها وزمانها وموقعها، وتوفرت لها الأدوات اللازمة للنجاح في ذلك الوقت؛ بما فيها قناة جديدة عربية معروفة لها شعبيتها وحضورها، وفي الواقع كان وجود القناة عاملا هاما في نجاح الموقع لأنه يحمل هويتها وينسق في عمله معها.



ويمكن القول إن الموقع أصاب نجاحا واضحا منذ البداية، رغم أن الإنترنت لم تكن في ذلك الوقت منتشرة في الوطن العربي، ولم تكن أيضا وسائل التواصل الاجتماعي على الهواتف النقالة موجودة، ومع ذلك حقق الموقع نجاحا ملحوظا منذ البداية.

أتذكر تلك الأيام واللحظات الأولى بكل شوق ومحبة..


كيف كانت رؤيتكم وقتها لطبيعة الخدمة التي سيقدمها الموقع؟

الحقيقة أن الموقع نهل منذ البداية من فلسفة القناة ومن معاييرها، كانت القناة حينها الأولى عربيا، وكانت أيضا قد بدأت تخرج إلى الفضاء العالمي الأرحب؛ حيث أصبحت القنوات العالمية تهتم بها وتراقبها وتنقل عنها، خصوصا بعد عملية ثعلب الصحراء في العراق (1998)، حين ظهرت الصورة التي التقطتها الجزيرة من بغداد على كبريات القنوات العالمية ومن أهمها "سي إن إن"، وكان ذلك الظهور الدولي الأول للقناة ومنعطفا هاما في مسار صعودها وتأثيرها.

وبما أن القناة كانت إخبارية بالدرجة الأولى، جاء الموقع أيضا منسجما مع الفلسفة ذاتها مركزا على الأخبار السياسية بالدرجة الأولى، لذلك كانت صفحته مقسمة إلى مناطق تغطي جغرافية العالم (العالم العربي، أميركا.. إلخ)، كما فتحنا نوافذ للرأي، وصفحات لكتاب الرأي لمن أراد منهم أن يكتب فيها. كما حرصنا على تقديم بعد ثالث يتمثل في تقديم جرعة من التغطيات المعمقة للقضايا المختلفة، وعملنا على إنجاز ملفات كبيرة عن قضايا مختلفة (مناطق جغرافية، صراعات، أفكار..). أما البعد الرابع الذي خططنا له حينها فهو تحقيق مستوى من التنوع، بحث نطلق صفحات متعددة للطب وللعلوم وللاقتصاد، وذلك من أجل تقديم وجبة شاملة صحية وعميقة للقارئ.

وبما أن القناة كانت إخبارية بالدرجة الأولى، جاء الموقع أيضا منسجما مع الفلسفة ذاتها مركزا على الأخبار السياسية بالدرجة الأولى، لذلك كانت صفحته مقسمة إلى مناطق تغطي جغرافية العالم (العالم العربي، أميركا.. إلخ)، كما فتحنا نوافذ للرأي، وصفحات لكتاب الرأي لمن أراد منهم أن يكتب فيها.

ذكرتم في البداية أنه لم يكن هناك مواقع عربية إخبارية، بل كان هناك مواقع أجنبية فقط، ما الذي أضافه الموقع؟ هل جاء نسخة من المواقع المذكورة، أم حقق نوعا من التميز؟ وما هو؟

لأنه بالعربية، فقد كان رائدا ومتميزا لأن القارئ العربي حينها إذا أراد استخدام الإنترنت لكي يقرأ أو يعرف ما يدور في العالم، فلم يكن يجد بالعربية ما يتيح له ذلك، إلى أن ظهر موقع الجزيرة نت. أما إن سألتني عما يميزنا عن غيرنا من المواقع الأجنبية؛ فالواقع أن القوم سبقونا في الظهور على الإنترنت، وإن قلت إننا كنا نتميز عنهم ففي الأمر شيء من المبالغة.

ولعل ما كان يميزنا عنهم هو أننا نقدم تغطيات مركزة ومعمقة للشأن العربي، فنحن ننطلق من الوطن العربي ونتحدث بلسان عربي مبين، فهذا هو همنا وتلك هي هويتنا، وبالتالي ما كان يميزنا هو أننا كنا نقدم للقارئ جرعة شاملة أوفى وأشمل وأعمق مما تقدمه المواقع الأخرى، وأعتقد أيضا أننا كنا نتميز أيضا بكوننا حريصين على النزاهة حين يتعلق الأمر بتغطية القضية الفلسطينية باعتبارها كانت ولا تزال قضية العرب الأولى.

هل تتذكرون أعداد الفرق الصحفية وقت انطلاق الموقع؟

أعتقد أنه عندما بدأ الإصدار التجريبي للموقع كان العدد في حدود 12 فردا، وما زلت أذكرهم، بعضهم لا يزال موجودا، ومنهم من غادر المؤسسة، ومع النمو والتوسع بدأ العدد يزداد، وكنا نستعين وقتها بالقناة وصحفييها.

كان العدد كافيا خلال فترة الانطلاق، ولكن المتطلبات كانت تزداد، خصوصا مع إطلاق صفحات وخدمات جديدة.



هل كان تعبير صحافة الإنترنت حينها قد دخل دائرة التداول؟ وما الجديد الذي قدمه الموقع على هذا الصعيد؟

نعم، كان متداولا على الصعيد العالمي، وكما قلت لك سابقا لقد سبقونا في ذلك، المواقع الإخبارية التابعة لقنواتهم وصحفهم وجدت قبلنا بسنوات قليلة.

كان معظم الصحفيين في الموقع قد عملوا سابقا في الصحافة المكتوبة، وهو ما يمنحهم مهارات في تحرير الأخبار وخدمتها، وما كنا نفعله هو أن نخضعهم لتكوينات وتدريبات لإتقان الكتابة للإنترنت ومواءمة خبراتهم السابقة مع المجال الجديد؛ فقراء الإنترنت في ذلك الوقت معظمهم من فئة الشباب حيث كانت الإنترنت نادرة، ولم تكن قد دخلت البيوت العربية بكثافة، كما أن منصات التواصل الاجتماعي لم تكن موجودة، والهاتف الجوال لم يكن ذكيا بما يكفي لكي يدعم الإنترنت، وبالتالي كان علينا أن نتعلم خصائص الكتابة لمواقع الإنترنت، وما تفرضه من طرق وأساليب؛ حيث الجمل قصيرة والعناوين رشيقة وجذابة، لأن قارئ الإنترنت يقال إنه شخص عجول ملول لا يريد أن يطيل خصوصا إذا كان من فئة الشباب، ولا أعتقد أن هذا شيء يمكن أن نعممه على أغلب الناس، بل يختلف من شخص لآخر، وبالتالي كان همنا هو أن نكتب مادة تناسب قارئ الإنترنت، وهو ما ركزنا عليه في الفترة التجريبية.

عندما بدأ الإصدار التجريبي للموقع كان العدد في حدود 12 فردا، وما زلت أذكرهم، بعضهم لا يزال موجودا، ومنهم من غادر المؤسسة، ومع النمو والتوسع بدأ العدد يزداد، وكنا نستعين وقتها بالقناة وصحفييها.

متى بدأ التعامل مع الفيديوهات؟ ووفق أي معايير يتم استقبالها وبثها؟

الواقع أن إدخال الفيديوهات إلى المواقع الإخبارية كان متأخرا، فلو دخلت على موقع "بي بي سي" باللغة الإنجليزية قبل 10 أو 15 عاما ما كنت لتجد هذا الكم الهائل منها، وهذا يعود غالبا إلى دواع فنية مثل السيرفرات والقدرة على التخزين وما إلى ذلك، وبالتالي لم تكن هذه الفكرة ناضجة حينها، ولا أذكر أننا كنا نستخدم الفيديوهات بكثرة في ذلك الوقت، أما الآن فقد أصبحت الفيديوهات هي الظاهرة الجديدة على الإنترنت، ولا أظن أن موقع إنترنت يستطيع أن ينافس إن لم تكن له مادة مصورة حرفية مهنية جميلة.

وأعتقد أن المواقع العربية ما زالت مقصرة في هذا السياق، وحين تسألهم عن السبب يتذرعون غالبا بأسباب مادية، وتغطية نفقات إنتاج الفيديوهات الخاصة بسبب حقوق النشر "كوبي رايت" (Copyright)‏.

في حين لو نظرت إلى المواقع الأجنبية مثل موقع "بي بي سي" باللغة الإنجليزية لوجدت الكثير من الأفلام التي تتناول قضايا دسمة وعميقة وجميلة، سواء تعلقت بالبيئة أو الإنسان أو الحيوان، بالسياسة أو العلوم أو الجغرافيا. أنا شخصيا أمضي الكثير من الوقت في مشاهدة تلك الأفلام الجميلة ذات الحرفية العالية.

ذكرتم سابقا أن فلسفة الموقع كانت تركز على الخدمة الخبرية، متى تم إطلاق صفحات المعرفة ومقالات الرأي؟

بالنسبة لمقالات الرأي كانت منذ البداية، بدأنا استكتاب كتاب الرأي في الفترة الأولى لإطلاق الموقع.

بالنسبة للمواقع باللغة العربية لا أظن أنه كان لدينا منافس على الإطلاق، يعني كنا الوحيدين في الساحة على الأقل في الأيام

كيف كان مستوى التفاعل مع القراء؟ وكيف كانوا يستقبلون ما ينشر في الموقع من أخبار وتغطيات؟

كنا في ذلك الوقت نراقب الهيتس (hits) لنعرف مدى شعبية الموقع وانتشاره، وكنا أيضا نتابع ما يأتينا من ملاحظات محاولين الاستفادة منها، ومع ذلك فلم تكن القضية في البداية قد نضجت بالفعل، فالأشياء حين تبدأ -يا سيدي- تبدأ بسيطة ثم تتطور بشكل تدريجي. وعلى الأقل خلال فترة رئاستي للتحرير، لم تكن قضية التفاعل مع الجمهور قد نضجت في الأذهان والعقول وأصبحت أمرا شائعا، علما بأنني استقلت من الجزيرة بعد سنتين من إدارة الموقع، وعند عودتي إليها قمت بإطلاق نسخة من الموقع باللغة الإنجليزية وكان ذلك في عام 2003.

أخيرا، ما أبرز المواقع التي نافست الجزيرة نت بمحتواها؟ وما المواقع التي نافستها بتقنياتها؟

بالنسبة للمواقع باللغة العربية لا أظن أنه كان لدينا منافس على الإطلاق، يعني كنا الوحيدين في الساحة على الأقل في الأيام التي كنت أنا رئيسه والمسؤول عنه، وهذا طبعا أمر يؤسف له.

أما باللغة الإنجليزية فهم سابقون لنا في هذا المجال، فحين تفتح الصفحة الرئيسية لموقع "بي بي سي" (BBC) تكتشف أنه يختلف عنا ويتفوق علينا من حيث كثافة المحتوى، وأيضا المادة الفلمية، وهي يا سيدي مهمة وصنعة لم نصل في العالم العربي للأسف لإتقانها، وكذا من حيث الصورة وخدمة المضمون؛ فمعظم الأخبار الموجودة في المواقع العربية ينقصها ما يسمى بخلفيات وسياقات الأخبار، والقارئ لا يستطيع فهم الخبر أو استيعابه دون معرفة خلفياته وسياقاته التاريخية والمعرفية.

كقارئ عندما أقرأ عن الصراعات والحروب في المواقع العربية تدور في ذهني أسئلة من قبيل: لماذا يقتتل هؤلاء؟ ما هي خلفيتهم العرقية والتاريخية؟.. وهي أسئلة لا أجد لها أجوبة في الغالب.

ثم ينقص مواقعنا العربية أيضا الاهتمام والعناية بالصياغة العربية السليمة، وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي تكثيف المحتوى المنشور خاصة في الجانب العلمي، وهذا أمر مهم جدا لأننا كأمة بحاجة إليه، ونحن متخلفون فيه والصفحات العلمية التي تنقل آخر ما يدور في العالم (اختراعات، نظريات، اكتشافات) هذا أمر مهم، وعسى أن يتطور ويصبح في يوم من الأيام أداة لتشجيع الشباب لكي ينهجوا نهج العلم، وفي العموم نحن نحتاج إلى علوم الدنيا وعلوم الدين.